لماذا لا يسمع العمال كلام المهندس الجديد؟

لماذا لا يسمع العمال كلام المهندس الجديد؟

المهندس/ ابراهيم فاروق حسن

مدير ادارة مشاريع

لا يسمع العمال كلام المهندس الجديد لأن الاحترام في موقع العمل يُكتسب بالخبرة والتعامل والوضوح، ولا يأتي مع الشهادة وحدها. وهذه ليست عداوة شخصية، بل فجوة يمكن فهمها وسدّها.

يصل المهندس حديث التخرج إلى الموقع في يومه الأول ومعه مخططات دقيقة وحماس كبير. يعطي تعليماته للمراقب (الفورمان)، فيومئ برأسه ثم يعمل بما اعتاد عليه. يطلب تعديلًا، فيُنفَّذ متأخرًا أو ناقصًا. ويعود في المساء وهو يظن أن العمال لا يحترمونه.

الحقيقة في الغالب أبسط وأقل شخصية. نعرض في هذا المقال خمسة أسباب شائعة لهذه المشكلة، ثم خطوات عملية تساعد المهندس الجديد على كسب فريقه في أشهره الأولى.

أولًا: الثقة تأتي من المعرفة العملية لا من الشهادة

العامل الذي قضى عشرين سنة في الصب والبناء والتشطيب يعرف كيف تتصرف الخرسانة في الحر، ومتى تتشقق اللياسة، وأي طريقة توفر يومًا كاملًا. هذه معرفة لم تأتِ من كتاب، ولذلك يُقيّم المهندس بمعيار واحد: هل يعرف ما يقول؟

وكلمة واحدة من غير دقة في الأسبوع الأول، كطلب خاطئ في ترتيب الأعمال أو في كمية مادة، تكفي ليُحفظ عنه انطباع يصعب تغييره. العمال لا يرفضون المهندس لأنه جديد، بل يترددون حتى يروا أن كلامه ينجح على أرض الموقع.

الحل: اسأل قبل أن تفترض، وتعلّم المصطلحات وأسماء الأدوات كما ينطقها أهل الموقع، ولا تتظاهر بما لا تعرف. قول «لا أعرف، علّمني» تكسب من الاحترام أكثر مما تخسر.

ثانيًا: الفجوة بين الرسم والتنفيذ

المخطط يفترض ظروفًا مثالية، لكن الموقع مليء بما لا يظهر فيه: مسار أنابيب يصطدم بكمرة، مادة غير متوفرة، أو قياس لا يتطابق مع ما تم صبّه فعلًا. العامل رأى مثل هذه المشاكل من قبل، ولديه في الغالب حل جاهز.

المهندس الذي يتمسك بالمخطط حرفيًا دون أن يسمع يبدو متصلبًا، والذي يغير كل شيء بلا حساب يبدو متهورًا. وكلا الانطباعين يفقدان ثقة العمال.

الحل: استمع إلى اقتراح العامل، ثم تحقق منه هندسيًا قبل القبول أو الرفض. وحين تأخذ باقتراحه، قل ذلك أمام الآخرين.

ثالثًا: أسلوب التعامل

العمال يتحملون ضغط العمل وحرارة الموقع، لكنهم لا يتحملون الإهانة. الأمر بنبرة متعالية، ورفع الصوت، وتصحيح الخطأ أمام الزملاء، وغياب كلمة شكر بعد عمل جيد، كلها أمور تُشعر العامل بأنه أداة وليس شريكًا.

ونتيجة ذلك أن العامل يلتزم بحرف التعليمة ولا يبادر. لن ينبّه المهندس إلى خطأ قادم، لأن من يُهان لن يحرص على نجاح من أهانه. وهذا أخطر ما في الموضوع، لأن العمال هم أول من يلاحظ الأخطاء قبل أن تتحول إلى كلفة.

الحل: اطلب ولا تأمر، وصحّح على انفراد، واشكر علنًا، واحفظ أسماء العمال ونادِهم بها.

رابعًا: السلطة غير الرسمية في الموقع

في كل موقع هرم غير مكتوب: المعلم أو الأسطى أو رئيس العمال أو المقاول من الباطن. العمال يأخذون التوجيه منه، لأنه هو من يضمن لهم العمل والأجرة، وهو من يُسال عن نتيجة عملهم.

إذا تجاوز المهندس المعلم وأعطى الأوامر مباشرة للعامل، شعر المعلم بأن مكانته تُهدد. قد لا يعترض علنًا، لكنه يبطئ العمل أو يترك المهندس يواجه المشاكل بمفرده. وهذا سبب كثير من «التجاهل» الذي يشكو منه المهندسون الجدد.

الحل: مرّر تعليماتك عبر المعلم  (الفورمان)، واستشره في ترتيب العمل، واعترف بخبرته أمام فريقه. إذا كسبته فقد كسبت معه الموقع كله.

خامسًا: تعليمات غير واضحة وقرارات متناقضة

«اعمله كما في الرسم» ليست تعليمة كافية. العامل يحتاج أن يعرف ماذا ينفذ، وأين، وبأي مقاس، ومتى ينتهي، وماذا يفعل إذا واجهته مشكلة. وحين تنقص هذه التفاصيل، يملأها باجتهاده الخاص، ثم يُلام على النتيجة.

وتغيير القرار أكثر من مرة في اليوم يعلّم العمال أن ينتظروا بدل أن يبدأوا، لأن التعليمة ستتغير غالبًا. وكذلك الوعود التي لا تُنفّذ، من مواد أو مواعيد أو أجور، تضعف كلمة المهندس عندهم مهما كانت نيته طيبة.

الحل: اجعل كل تعليمة تجيب عن هذه الأسئلة، ولا تعد بما لا تملك التحكم فيه.

كيف تكسب فريقك: ست خطوات عملية

1. ابدأ بالمراقبة والأسئلة. اقضِ أسبوعك الأول تتعلم إيقاع العمل وأسماء الناس وعادات الموقع، قبل أن تغيّر أي شيء.

2. ابدأ بالفورمان. اطلب رأيه قبل أن تطلب تنفيذه، واجعله شريكًا في ترتيب العمل.

3. اشرح السبب. مع كل تعليمة مهمة، خاصة ما يتعلق بالسلامة والجودة، قل لماذا تطلبها.

4. اجعل التعليمات قصيرة ومحددة. ارسم أو اكتب ما تحتاج إلى توضيح، ثم اسأل: «كيف ستنفذها؟» لتتأكد من الفهم.

5. صحّح على انفراد واشكر أمام الجميع. فالنقد العلني يجرح، والشكر العلني يبني.

6. التزم بما وعدت، واعترف بخطئك. المهندس الذي يقول «أخطأت، سأصحح» يرفع احترامه ولا يخفضه.

الخاتمة

لا يحتاج المهندس الجديد أن يفرض نفسه بالصوت أو المنصب. العمال لا يسمعون من يتحدث إليهم من فوق، بل من يعمل معهم، ويسمعهم، ويفي بكلامه. وهذا كله مهارات يمكن تعلمها، والمهندس الذي يكتسبها مبكرًا يوفر على نفسه سنوات من الصدام.

هل مررت بموقف مشابه في الموقع؟ شاركنا تجربتك في التعليقات.

شارك المقال:

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

اترك تعليقاً